السيد الطباطبائي
12
نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )
لكنّ العلّيّة ليست حيثيّة خارجة من الموجوديّة العامّة ، وإلّا لبطلت . وأمثال هذه المسائل مع ما يقابلها تعود إلى قضايا مردّدة المحمول ، تساوي أطراف الترديد فيها الموجوديّة العامّة ، كقولنا : « كلّ موجود إمّا بالفعل أو بالقوّة » [ 1 ] . فأكثر المسائل في الفلسفة جارية على التقسيم ، كتقسيم الموجود إلى واجب وممكن ، وتقسيم الممكن إلى جوهر وعرض ، وتقسيم الجوهر إلى مجرّد ومادّيّ ، وتقسيم المجرّد إلى عقل ونفس ، وعلى هذا القياس . وثالثا : أنّ المسائل فيها مسوقة على طريق عكس الحمل ، فقولنا : « الواجب موجود والممكن موجود » في معنى : « الوجود يكون واجبا ويكون ممكنا » ، وقولنا : « الوجوب إمّا بالذات وإمّا بالغير » معناه : « أنّ الموجود الواجب ينقسم إلى واجب لذاته وواجب لغيره » . ورابعا : أنّ هذا الفنّ لمّا كان أعمّ الفنون موضوعا ولا يشذّ عن موضوعه ومحمولاته الراجعة إليه شيء من الأشياء لم يتصوّر هناك غاية خارجة منه يقصد الفنّ لأجلها . فالمعرفة بالفلسفة مقصودة لذاتها من غير أن تقصد لأجل غيرها وتكون آلة للتوصّل بها إلى أمر آخر كالفنون الآليّة ، نعم هناك فوائد تترتّب عليها [ 2 ] . وخامسا : أنّ كون موضوعها أعمّ الأشياء يوجب أن لا يكون معلولا لشيء خارج منه ، إذ لا خارج هناك ، فلا علّة له . فالبراهين المستعملة فيها ليست ببراهين لمّيّة [ 3 ] . وأمّا برهان الإنّ فقد تحقّق في كتاب البرهان من المنطق أنّ السلوك من المعلول إلى العلّه لا يفيد يقينا ، فلا يبقى للبحث الفلسفيّ إلّا برهان الإنّ الّذي يعتمد فيه على الملازمات العامّة ، فيسلك فيه من أحد المتلازمين العامّين إلى الآخر .
--> ( 1 ) فهو في قوّة أن يقال : « الوجود منقسم إلى بالفعل وبالقوّة » . ( 2 ) ولعلّ مراده من الفوائد ما ذكره غاية للفلسفة في بداية الحكمة : 7 ، من تمييز الموجودات الحقيقيّة من غيرها ، ومعرفة العلل العاليّة للوجود . ( 3 ) وناقش فيه بعض الأساتيذ من تلامذة المصنّف ، فراجع تعليقته على نهاية الحكمة : 14 - 15 .